أبي بكر الكاشاني

146

بدائع الصنائع

الحسن والحسين رضى الله تعالى عنهما دخلاها ليلا وما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه نهى عن دخول مكة ليلا فهو محمول على نهى الشفقة مخافة السرقة كذا أوله إبراهيم النخعي ولأنه إذا دخل ليلا لا يعرف موضع النزول فلا يدرى أين ينزل وربما نزل في غير موضع النزول فيتأذى به ويدخل المسجد الحرام والأفضل أن يدخل من باب بنى شيبة ويقول اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأعذني من الشيطان الرجيم وإذا وقع نظره على البيت يقول ويخفى سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر اللهم هذا بيتك عظمته وشرفته وكرمته فزده تعظيما وتشريفا وتكريما ويبدأ بالحجر الأسود فإذا استقبله كبر ورفع يديه كما يرفعهما في الصلاة لكن حذو منكبيه لما روى عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد بدأ بالحجر الأسود فاستقبله وكبر وهلل وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلاة أنه قال لا ترفع الأيدي الا في سبع مواطن وذكر من جملتها عند استلام الحجر الأسود ثم يرسلهما ويستلم الحجر ان أمكنه ذلك من غير أن يؤذى أحدا والأفضل أن يقبله لما روى أن عمر رضى الله تعالى عنه التزمه وقبله وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا وروى أنه قال والله انى لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك وفى رواية أخرى قال لولا انى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمك ما استلمتك ثم استلمه وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه فبكى طويلا ثم التفت فإذا هو بعمر يبكى فقال له ما يبكيك فقال يا رسول الله رأيتك تبكى فبكيت لبكائك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ههنا تسكب العبرات وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ثم يرده إلى فيه وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليبعثن الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما وأذنان يسمع بهما ولسان ينطق به فيشهد لمن استلمه بالحق وروى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستلمون الحجر ثم يقبلونه فيلتزمه ويقبله ان أمكنه ذلك من غير أن يؤذى أحدا لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر يا أبا حفص انك رجل قوى وانك تؤذي الضعيف فإذا وجدت مسلكا فاستلم والا فدع وكبر وهلل ولان الاستلام سنة وايذاء المسلم حرام وترك الحرام أولى من الاتيان بالسنة وإذا لم يمكنه ذلك من غير أن يؤذى استقبله وكبر وهلل وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم كما يصلى عليه في الصلاة ولم يذكر عن أصحابنا فيه دعاء بعينه لان الدعوات لا تحصى وعن مجاهد أنه كأن يقول إذا أتيت الركن فقل اللهم إني أسألك إجابة دعوتك وابتغاء رضوانك واتباع سنة نبيك وعن عطا رضى الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بالحجر الأسود قال أعوذ برب هذا الحجر من الدين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر ولا يقطع التلبية عند استلام الحجر ويقطعها في العمرة لما نذكر إن شاء الله ثم يفتتح الطواف وهذا الطواف يسمى طواف اللقاء وطواف التحية وطواف أول عهد بالبيت وانه سنة عند عامة العلماء وقال مالك انه فرض واحتج بظاهر قوله عز وجل وليطوفوا بالبيت العتيق أمر بالطواف بالبيت فدل على الوجوب والفرضية ولنا أنه لا يجب على أهل مكة بالاجماع ولو كان ركنا لوجب عليهم لان الأركان لا تختلف بين أهل مكة وغيرهم كطواف الزيارة فلما لم يجب على أهل مكة دل أنه ليس بركن والمراد من الآية طواف الزيارة لاجماع أهل التفسير ولأنه خاطب الكل بالطواف بالبيت وطواف الزيارة هو الذي يجب على الكل فأما طواف اللقاء فإنه لا يجب على أهل مكة دل على أن المراد هو طواف الزيارة وكذا سياق الآية دليل عليه لأنه أمرنا بذبح الهدايا بقوله عز وجل ليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وأمر بقضاء التفث وهو الحلق والطواف بالبيت عقيب ذبح الهدى لان كلمة ثم للترتيب مع التعقيب فيقتضى أن يكون الحلق والطواف مرتبين على الذبح والذبح يختص بأيام النحر لا يجوز قبلها فكذا الحلق والطواف وهو طواف الزيارة فأما طواف اللقاء فإنه يكون سابقا على أيام